الثلاثاء، 29 مايو 2012

جزيرة الكنز - مسرحية فصل واحد




تظل الوظيفة في هذا العصر هي الكنز الذي نحلم بالوصول إليه والحصول عليه ، هذه محاولة متواضعة للوصول إلى ذلك الكنز . 
المنظر : في خلفية المسرح تعلو لوحة كبيرة تظهر للنظارة بوضوح وقد كتب عليها ( مكتب جزيرة الكنز ... للوظائف الجاهزة ) تحت اللوحة مباشرة يظهر مكتب المدير وقد انتظمت عليه عدد من المعاملات والأوراق وأجهزة الهاتف ، وأمام المكتب رصت عدد من الكراسي في نظام وبينهم طاولة مستطيلة زينتها مزهرية مجففة وفي ركن المكتب مباشرة شماعة عتيقة ، وبجوارها مباشرة نافذة كبيرة تطل على الخارج . 
المشهد : أصوات ضوضاء ... وجلبة خارج المسرح ... يدخل العامل ( العم عثمان ) وهو يلهث ويضع يده على صدره : 
العم عثمان : أستغفر الله .. وكأنه الحشر .. البلاد كلها تتكدس في الخارج .. عجيب . 
( خارج المسرح تزداد الضوضاء والجلبة وأصوات الإرتطام )
العم عثمان : الناس سيقتحمون المكتب .. لابد من مكافحة الشغب .. سأتصل حالاً (يمسك بالتلفون)
( يدخل مدير المكتب – الأستاذ : عادل – وهو يحمل حقيبته وقد تلثم بشماغه )
العم عثمان ( وهو يتأمل الأستاذ عادل ) : أستاذ عادل ! .. عجيب من الذي فعل بك كل هذا ؟ 
عادل : سؤال سخيف جداً .. ألم يفعلوا بك مثلي أيها العجوز ؟ 
العم عثمان : أووه .. إنهم المتكدسون في الخارج .. عجيب .. هل رأيت الحشر ؟ 
عادل : لا .. طبعاً .
العم عثمان : ولا أنا .. ما الذي حل بالناس ؟ البلاد كلها عاطلة عن العمل ! هذه كارثة .
عادل : هؤلاء المساكين .. جاءوا بحثاً عن الكنز الذي أعلناه لهم .. وصدقوه !
العم عثمان : صدقوه ! .. وهل تكذب عليهم يا سيدي ؟ 
عادل : لا شأن لك .. هيا احضر لي كوباً من الشاي .. حتى نبدأ اللعب .
عثمان : عجيب .. وكيف تلعب وهؤلاء المساكين ينتظرونك منذ الصباح .
عادل ( في غضب ) : أووه .. قلت لك هيا انصرف .
العم عثمان : عفواً .. إسمي عثمان وممنوع من الصرف يا سيدي ( يخرج ) .
عادل : العجوز الأحمق ( يجلس على مكتبه ويبدأ يقلب في أوراقه ) . 
( يدخل العم عثمان وهو يحمل الشاي ويضعه على مكتب المدير )
العم عثمان : يبدو أن الزحام في الخارج والداخل أيضاً .
عادل : لا شأن لك أيها العجوز .
( يرن هاتف المكتب فيرد العم عثمان ) 
العم عثمان : نعم .. هنا مكتب جزيرة الكنز للملابس الجاهزة .. أ .. أ .. أقصد للوضائف الجاهزة .
( يخطف عادل منه السماعة ويتولى الرد )
عادل : عفواً .. عفواً ياسيدي .. هنا مكتب جزيرة الكنز للوظائف الجاهزة .. ويسعدنا خدمة الشباب .. نعم .. نعم .. نحن نعلم بمأساتكم .. ماذا ؟ تحملون الشهادة الجامعية وبعضكم يحمل الثانوية .. ولم تحصلوا على عمل حتى الآن .. أعوذ بالله عطالة منذ خمس سنوات .. ومازلتم على قيد الحياة .. الحمد لله .. حسناً نحن في انتظاركم .. مع السلامة ( يضع السماعة ) . 
العم عثمان : لا حول ولا قوة إلا بالله .. مساكين هؤلاء الشباب .. مساكين . 
عادل ( للعم عثمان ) : إسمع أيها العجوز .. إنني أحذرك من الرد على المكالمات .. أتسمع ؟ 
العم عثمان : أسمع جيداً والحمدلله .. جوارحنا حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر .
عادل : إذن أصمت لو سمحت .. ( ينظر في ساعته ) .. لقد تأخر سكرتير المكتب هذا .
العم عثمان : عسى المانع خيراً إن شاء الله .
( يدخل سكرتير المكتب من النافذة محدثاً جلبة )
عادل : من هذا ؟ من هناك ؟ 
العم عثمان : لابد أنهم بدأو يقتحمون المكتب .. وفي هذه الحالة لابد من استدعاء الشرطة .. جوالك يا سيدي حتى أتصل بالشرطة .
السكرتير : السلام عليكم .. لا تخافا أنا عصام .
العم عثمان : وعليكم السلام ما هذا يا عصام ؟ وأتوا البيوت من أبوابها .. يا ولدي . 
عصام : المعذرة يا جماعة لم أجد وسيلة إلا هذه .. لقد سد الناس جميع الأبواب .
العم عثمان : المساكين .. يطمعون في كنزكم الموعود .
عادل ( في حنق ظاهر ) : هيا اخرج أيها العجوز من هنا .. هيا اخرج .
العم عثمان : لا بأس .. ولكن على الباغي تدور الدوائر ( يخرج ) . 
عادل : أووه .. سأقتل هذا العجوز يوماً ما .
عصام : دعك منه يا سيدي .. تعال وانظر .
( يأخذه إلى النافذة ليطلا على الناس الذين ترتفع أصواتهم ويعلو ضجيجهم )
عادل : يا الله .. ما كل هؤلاء ؟ لقد ازداد العدد .
عصام : أرأيت يا سيدي ؟ .. لقد فعلت الدعاية والإعلام فعلهما في الناس . 
عادل : إذا ماذا تنتظر أيها الأحمق ؟ هيا أدخلهم علي حالاً .. ولكن تأكد من دفع الأتعاب . 
عصام : حالاً .. حالاً .. يا سيدي ( يخرج ) . 
( يصلح المدير من هندامه ويرتب أوراقه وفجأة يدخل مجموعة من الشباب وخلفهم عصام )
عصام : قلت لكم عودوا .. عودوا .. الدخول بنظام .. بنظام يا شباب .
الأول : السلام عليكم .
عادل : وعليكم .. نعم من أنتم .. ( لعصام ) .. من هؤلاء يا عصام ؟ 
عصام : هؤلاء يا سـ .. 
الثاني ( مقاطعاً ) : نحن الذين هاتفناك يا سيدي .. نحن الذين قلت لهم أنا أعلم بمأساتكم .. وفي خدمتكم . 
الثالث : نحن من يحمل الشهادات الجامعية والثانوية ومازلنا على رصيف الحياة .
الرابع : أتعني ماذا يعني لك رصيف الحياة يا سيدي .. يعني أن تعيش على هامش الدنيا .. عالة على مجتمعك .
الأول : أصدقاؤنا .. ملوا منا .. حتى أهلنا أيضاً .. لقد قال لي أبي يوماً : يا ولدي لقد أنفقت عليك صغيراً ولا يمكنني الإنفاق عليك الآن .. إخوانك بحاجة إلى المال . 
عادل : أووه .. نحن لسنا مبرة خيرية .
الأول : ولكنكم أعلنتم عن الكنز الذي نبحث عنه منذ سنوات .
عادل : وأي كنز ؟ 
الجميع : الوظيفة .
الأول : .. أرجوك يا سيدي .. ساعدنا .. لقد مللنا من البحث .. مللنا من كل شيء .. كل شيء .
الثاني : الجميع يتظاهرون بمساعدتنا .. لكنهم يضعون العقبات والحواجز أمامنا .
الثالث : الخبرة .. اللغة .. الشهادات .. الدورات .. لبن العصفور . 
عادل : كفوا عن هذا الكلام .. بإمكانكم أن تعرضوا مأساتكم على أبواب المساجد .. ستجدون هناك من يعطيكم .
الرابع : حتى أنت يا سيدي ..
الأول : حتى أنت تتاجر بمأساتنا .
عادل : المعذرة يا شباب .. هذا مكتب خدمات .. من يدفع ينفع .
الثاني : ومن لم يجد ما يدفع .
عادل : فليعد إلى رصيف الحياة .
( ضوضاء وجلبة في الخارج .. وصافرات الشرطة ) 
عادل : ماهذا ما الذي يحدث في الخارج ؟ 
عصام ( وقد استطلع الأمر ) : يا ويلي .. الشرطة قادمة يا سيدي .
عادل : أصمت أيها الجبان .
( يدخل خمسة من الجنود شاكوا السلاح يتقدمهم ضابط وفي الخلف يظهر العم عثمان ) 
الضابط : لقد وقعت أخيراً يا أستاذ حمد .
عادل ( في خوف ) : عـ .. عـ .. عمن تتحدث يا سيدي الضابط .
الضابط : عن المحتال العالمي الأستاذ حمد سابقاً وعادل حالياً .
عادل : هـ .. هـ .. هذه إهانة .. هل عندكم إذن بالمداهمة .
الضابط : أراك ستعلمنا واجبنا .. لقد وقعت وانتهى كل شيء أيها المحتال .
عادل : محتال ! .. ها .. ها .. ( يضحك ) وهل تسمي مساعدة الناس والبحث لهم عن وظائف إحتيال .. ما الذي فعلته أنت لهؤلاء الشباب .. ما الذي قدمته لكل هؤلاء العاطلين .. الذين يفترشون الأرض ويتكدسون على بابي .. ما الذي فعلته لهم ؟ 
الضابط : كف عن التلاعب بمشاعر الناس .. أنت لا تساعدهم أنت تتاجر بمعاناتهم .. ترسم لهم الأحلام الوردية وتمنيهم السراب الضائع .
عادل : أنا .. 
الضابط : نعم أنت وأمثالك .. أنتم الذين صنعتم هذه المأساة .. لولا الله ثم هذا العم الطيب لما وصلنا إليكما .. أيها المحتالان الماكران .
عصام : أ .. أ .. الذنب ذنبه يا سيدي .. أنا مجرد عامل مسكين . 
عادل : مسكين أيها السكين .. أولست أنت العقل المدبر لكل شيء ؟ 
الضابط : أصمتا الآن هيا أيها الجنود خذوهما إلى السجن ( يخرج الجميع ) . 
الأول ( كالذاهل ) : ما الذي يحدث هنا ؟ هل تلاشى الحلم ؟ هل اختفى الكنز ؟ 
الثاني : لقد كان هذا المجرم يحتال علينا وعلى العشرات من أمثالنا .
الثالث : والوظيفة .. والكنز .. ؟ 
الرابع : لقد ضاع كل شيء .. كل شيء .
الثاني ( متأملاً ) : لا .. لا .. لم نفقد الأمل بعد .. لقد وجدت الكنز يا شباب .. وجدت الكنز .
الجميع : وجدت الكنز ! 
الأول : وأين هو ؟ 
الثالث : دلنا عليه ؟
الثاني : إنه هنا ( يشير إلى أيديهم ) .. في أيدينا ثمة كنز نجهله .. في قلوبنا عزيمة قوية .. وفي أيدينا سواعد فتية .. هي كل ما نحتاجه لإستخراج الكنز .
الرابع : وماذا تقصد ؟ 
الثاني : سنعمل في كل شيء ( يدور على زملائه ) .. سنعمل في المخابز .. والمطاعم .. وسنزرع في المزارع .. سنمتهن كل شيء .. إن من يملك مهنة لا يمكن أن يموت من الجوع أبداً .
الثالث : نحن !!!
الرابع : نعم نحن الشباب .. بلادنا من سيديرها إلا نحن .. أنظروا خلفكم .
( تطفأ الإنارة .. وتظهر صور لعدد من المصانع والمزارع والمشاريع في والصحف العملاقة ) 
الرابع : أرأيتم هذه المصانع .. والمزارع .. من سيديرها إلا نحن .. من لها إلا أنا وأنتم يا شباب .
الجميع : إذاً ماذا تنتظر هيا بنا .. هيا ..


( تطفأ الإنارة ) 
ستارة

المصباح - مسرحية ذات فصل واحد



لله درّهم ........ ما أقسى معاناتهم .. وما أشد غربتهم ......... وحـدهم


المنظر : وقت السحر ........ آخر الليل 
المشهد: يدخل البطل ، يحمل في يده مصباحاً ...... وخلفه مجموعة من الرجال ، من خلف المسرح ....... ينبعث حداء عذب يتسلل متناغماً مع المشهد ..... تقطعه أصوات متداخلة من قهقهات شيطانية ، عواء ذئاب جائعة ، نباح كلاب مسعورة ، صرخات متقطعة . 
صوت : هل ترى المصباح في الروح انطفى ؟ 
أم جفاك الصبح ما أقسى الجفا ؟ 
فجأة : يسقط المصباح ويسود الظلام ويختفي الجميع . 

تفتح الستارة
المنظر : مقهى ... تتوزع فيه الطاولات .... ويتناثر الناس على الكراسي في مجموعات البعض يطالع الصحف ، والبعض يتحلق حول التلفاز ، وآخرون منهمكون في لعبهم ولهوهم .. يرتفع الدخان .... تتعالى الضحكات والصيحات . 
المشهد : يتقدم البطل بخطوات متثاقلة ... يتسمّر أمامهم . 
البطل ( صارخاً ) : أيها الناس .... أيها الناس . 
( صمت يطبق على المكان)
البطل : أيها الناس .... أتوسل إليكم .... هل ؟ هل رأيتم الشيخ عثمان ؟ .... لم يعد يأتي إلى صلاة الفجر ... لم يعد يحضر إلى الدرس .. لم ...... 
أحدهم ( مقاطعاً ) : تباً لك سائر اليوم .. تفسد علينا متعتنا .... من أجل شيخك هذا . 
أحدهم : كان يا ما كان ... كان هناك شيخ اسمه عثمان .... ( يضحك ) 
أحدهم : هل تريد الشيخ عثمان فعلاًَ ؟ 
البطل ( في لهف ) : نعم ... نعم 
الرجل : وهل .. أنت جاد في ذلك ؟ 
البطل ( في لهفه أشد ) : أقسم لك ؟ 
الرجل ( ضاحكاً ) : إذن .. ابحث عنه جيداً .... ( يضحك الجميع ) 
أحدهم ( وقد اقترب من البطل ) : دعك منهم يا بني .. وأعطني فرصة .. حتى أبحث لك عن الشيخ عثمان .. رضي الله عنه .. أين . ؟ أين .. آه .. لقد .. لقد وجدته .. 
البطل( في لهفة آخرى ) : صحيح يا عم 
الرجل : صحيح يا ولدي 
البطل : أين هو .. ؟ دلني عليه ! 
الرجل : إنه .. هنا .. في جيبي .. ( يخرج السواك من جيبه ) .. سواك الحاج عثمان .. قوي .. ولطيف .. ويحارب الجراثيم .. ها .. ها .. (يضحك الجميع ) 
البطل ( مغضباً ) : أنتم الجراثيم . 
أحدهم ( في حدّة ) : بل هو الجرثومة الكبيرة .. هو أم الجراثيم . 
أحدهم : يريد أن يصنع منك ومن أمثالك من الشباب سلّماً يتسلقه للوصول إلى أهدافه . 
البطل ( متعجباً ) : الوصول إلى أهدافه ! أي أهداف ؟ 
أحدهم : الكرسي على ظهر سجادة .. يا مغفل .. 
البطل : ولكنه يعلمنا القرآن . 
أحدهم : هذه الوسيلة .. وتلك هي الغاية . 
البطل ( صارخاً ) : كفى .. كفى .. 
أحدهم : كفْ أنت عن ملاحقته . 
أحدهم : احذر أن تتبعه . 
أحدهم : دعه يسير لوحده إلى طريق الهاوية .
أحدهم ( بحنان بالغ ) : تمتع بشبابك يا بني .
أحدهم : أنت صغير .. لا تحرمْ نفسك متع الدنيا وبهجة الحياة . 
البطل : والله .. والجنه .. والآخره .. أين ذهبوا ؟ 
أحدهم : كلنا يريد الله . 
أحدهم : كلنا يعرف الطريق إليه . 
البطل : نعم .. ولكنكم تجهلون . 
أحدهم : نجهل .. وكيف ذلك يا حكيم .. ؟ 
البطل : إنكم تصلون وتخونون .. تزكون وتسرقون .. تلعنون الكفار وترتمون في أحضانهم . 
أحدهم : الله غفور .. ورحيم . 
البطل : ولكنه شديد العقاب . 
أحدهم ( مغضباً) : عقاب .. عقاب .. كف عن هذا الكلام . 
أحدهم : هيا اذهب وابحث عن شيطانك عثمان .. أغرب عنا .. 
البطل : نعم .. سأبحث عنه .. سأبحث عن اليد المتوضئة .. التي لا تأكل أموال الناس . 
الجميع ( في ارتباك ) : أموال الناس .. ماذا .. تقصد ؟ 
البطل : سأبحث عن الأقدام الطاهرة التي لم تمشي إلى حانة ولم ترقص في خمارة . 
الجميع ( في ارتباك ) : هه .. حانه .. خمارة !! .. يا ولد .. 
البطل : سأبحث عن النفس البريئة الصافية التي لا تحمل غلاً .. ولا حسداً .. 
أحدهم ( من بعيد .. وقد دخل ضاحكاً ) : ها .. ها .. ها .. ستبحث .. ولكنك لن تجده .. أبداً . 
البطل ( وقد التفت إليه في رعب ) : أبداً .. ولماذا ؟ 
الرجل : لأنك تعيش في عالم متسخ جداً .. إما أن تتسخ معه في الوحل .. وإما أن تسجن..وإما أن..
البطل ( يتوجه للرجل ويمسك به ) : وإما .. ماذا .. ؟ أكمل .. لماذا توقفت ؟ 
الرجل : وإما .. أن تقتل . 
البطل ( صارخاً ) : لا .. الشيخ عثمان .. الشيخ عثمان .. لا .. لا .. ( يهرع خارج المسرح ) 
الجميع ( يضحكون ويتمايلون ) : ها .. ها .. ها .. ها .. 
تطفأ الإنارة .... ثم تضاء 
المنظر : في المقهى .. مرة أخرى . 
المشهد : الرجال يتحلقون حول التلفاز لمتابعة مباراة رياضية . 
الجميع ( في فرح ) : هيه .. هيه ( يتقافزون ويضم بعضهم البعض ) 
أحدهم : يا سلام .. هدف .. هدف .. 
أحدهم : لقد أحرزنا هدفاً في الدقائق الأخيرة من عمر المباراة . 
أحدهم : لقد هاجم رجالنا ببسالة . 
أحدهم : وكانوا فدائيين في الذود عن مرماهم . 
أحدهم : يا سلام .. مبارك علينا الفوز بالكأس . 
أحدهم ( وقد هب واقفاً ) : بهذه المناسبة سأتبرع بمكافأة مالية لكل لاعب . 
الجميع : هيه .. ( يصفقون له في إعجاب ) 
أحدهم : وأنا .. سأقيم حفلاً غنائياً ساهراً . 
الجميع : هيه .... 
الرجل : انتظروا .. انتظروا وسأجلب أفضل الفرق العالمية . 
الجميع : هيه .. ( يصفقون ) 
أحدهم : وأنا .. سأرقص في الحفل . 
الجميع : ها .. ها .. ها .. ( يواصلون الضحك ) 
( يذيع التلفاز خبراً هاماً .. يتحلق الرجال حوله في اهتمام شديد ) 
صوت : جاءنا البيان التالي : بحمد من الله تعالى تم اليوم إلقاء القبض على الإرهابي الخطير المدعو الشيخ عثمان والذي كان يعمل على إثارة الناس وإشاعة الفوضى والتمرد في صفوف طلابه وأتباعه متستراً بستار من الدين ومتظاهراً بالتمسك بتعاليم الإسلام .. هذا وقد تم تنفيذ حكم الإعدام في الشيخ المذكور مساء هذا اليوم ........... 
أعزائي المشاهدين ... دقائق وتستمعون إلى أغنية نجوم الملاعب بمناسبة فوز فريقنا القومي بالبطولة العالمية . 
الجميع ( يعودون إلى الرقص والغناء ) : هيه .. هيه .. كان يا مكان .. شيخ اسمه عثمان .. ها .. ها .. ها .. ها .. 
( تطفأ الإنارة .. تسلط إضاءة خفيفة على البطل ويظهر هائماً على وجه )
البطل : آه .. آه ..أين أنت أيها شيخ ..هل صحيح أنهم قتلوك ؟ ..لماذا ..لماذا ؟لقد كنت دائماً كالشمس المشرقة ،تبعث الدفأ وترسل النور كنت كالنهر المتدفق والنبع الصافي ..هل حقاً فعلوا ذلك ؟ 
صوت قادم من خلف المسرح مقاطعاً : لم ينتهي كل شيء .. بل ستبدأ حياة .. وستفتح صفحة أخرى من صفحات المواجهة ... 
البطل ( يدور في المسرح ) : الشيخ .. هذا صوت الشيخ .. أنت لم تمت إذن ... أين أنت ؟ 
الصوت : الموت حياة أخرى يا بني ... فمن رحم الظلمات يولد الفجر ومن عمق المحنة تكون المنحة . 
البطل : لقد قالوا بأنهم قتلوك ؟ وأدوا النور الذي تحمله . 
الصوت : قتلنا هو بوابة الخلود .. وموتنا طريقنا إلى الجنة . 
البطل : والعمل؟ 
الصوت : لن تصعد السلم ويداك في جيبك . 
البطل : لكنهم سيقتلونني كما فعلوا بك .. وسيزهقون صوت الحق الباقي في هذه القرية . 
الصوت : اطرح عنك هذي الوساوس ... قم واعمل .. قدم شيئاً لهذا الدين .. لا تبالي بما يصنعون .. فهم يحصدون والله هو الزارع .. والله هو الزارع ... ( يختفي الصوت شيئاً فشيئاً) 
( البطل يتبع مصدر الصوت .. تطفأ الإنارة ) 
البطل : توقف أيها الشيخ .. أيها الشيخ .. أيها الشيخ .. 
تضــــــاء الإنـــــارة 
( يدخل البطل وهو يحمل في يده مصباحاً وخلفه جمع من الناس يتبعونه وفي ايديهم مصابيح مماثلة ... يدورون في المسرح .. يصاحبهم حداء شجي ... ) 
الصوت :
سائر في ربى الزمن .... طارق باب ذي المنن 


تغلق الستارة

الإمام - مسرحية

صفحة مشرقة من حياة الشيخ / محمد بن عبد الوهاب ( رحمه الله تعالى ) . 

) بلدة العيينة ، الوقت ليلاً ، يظـهر الـشيـخ مـحمد داخل حجرته المتواضعة ، يقرأ بنهم ويدون في بعض الكتب أمامه ، يدخل عليه ابن غنّام – أحد طلابه – ) 
ابن غنّام : السلام عليك أيها الشيخ الجليل. 
الإمام : وعليكم السلام أبها الطالب النبيل . هل أوصلت جميع رسائلي ؟!
ابن غنّام : لقد تحركت قافلة اليمن قبل قليل . 
الإمام : وبلاد الحجاز والشام ؟!
ابن غنّام : ستصلها رسائلك إن شاء الله .
الإمام : أرجو ذلك . 
ابن غنّام : ولكن ما كل هذه الرسائل يا سيدي ؟
الإمام : إنها مكاتبات للعلماء هناك . 
ابن غنّام : ولم ؟!
الإمام : رجاء أن يقوموا معنا بنصرة دين الله ومجاهدة هذه الخرافات . 
ابن غنّام : وهل يستجيبون يا ترى ؟
الإمام : إننا نأخذ بالأسباب .. يا ابن غنّام !
ابن غنّام : أنت ترهق نفسك كثيراً يا إمام . 
الإمام : ( في امتعاض ) يبدو أننا وجدنا ضالتنا في هذه البلدة المباركة . 
ابن غنّام: نعم .. فقد أحسن إلينا أميرها بعد أن كاد السفهاء في حريملاء يفتكوا بنا . 
الإمام : الحمد لله الذي نجّانا من شرهم . 
ابن غنّام : لقد تسوروا علينا الجدار لولا ستر الله . 
الإمام : إن طريقنا طويلة وشاقة يا بني . 
ابن غنّام : هل سنجد مصاعب أخرى .. يا إمام ؟ 
الإمام : ربما .. كن مستعداً . 
ابن غنّام : أما في العيينة فلا .. فالأمير عثمان بن محمد رجل صالح . 
الإمام : نحسبه كذلك . 
ابن غنّام : لقد خرج برجاله معنا فهدم قبة زيد بن الخطاب وأقام معالم التوحيد. 
الإمام : جزاه الله خيراً .. وثبّته على ذلك . 
الأمير عثمان : ( من الخارج ) يا شيخ محمد .. يا شيخ محمد .. أأنت هنا ؟ 
ابن غنّام : هذا صوت الأمير عثمان . 
الإمام : قم إليه نستقبله . 
ابن غنّام : ترى ما الذي جاء به الساعة ؟

( يدخل الأمير عثمان فيسرع ابن غنّام بالخروج )

الأمير عثمان : السلام عليك .. أيها الشيخ .. 
الإمام : وعليكم السلام .. أهلاً ومرحباً بالأمير عثمان ..
الأمير عثمان : اعتذر إليك فقد جئت في ساعة متأخرة . 
الإمام : لا تثريب عليك فأنت صاحب الفضل والدار . 
الأمير : وكم كنت – والله – أتمنى أن تطول إقامتك بيننا !!
الإمام : تتمنى !! ماذا هناك أيها الأمير ؟! 
الأمير عثمان : قاتل الله الشيطان وأعوان الشيطان . 
الإمام : هل جاءكم مني ما تكرهون؟
الأمير عثمان : معاذ الله .. بل رأينا الخير كل الخير على يديك . 
الإمام : قل بربك ما الذي حدث ؟ 
الأمير عثمان : أمير الأحساء أرسل بطردك من البلدة . 
الإمام : طردي أنا !!
الأمير عثمان : أو قتلك .
الإمام : هذا الرجل تعظم عليه إقامة الحدود .
الأمير عثمان : ونحن لا يحسن أن نقتلك ونخاف من هذا الأمير .. فانظر ماذا ترى ؟ 
الإمام : إن الذي أدعو إليه هو دين الله؛ فإن صبرت واستقمت فسوف ينصرك الله عليه . 
الأمير عثمان : ولكن لا طاقة لنا به . 
الإمام : ثق بالله يا رجل . 
الأمير عثمان : ( محتداً ) أيها الشيخ .. ارحل من أرضنا قبل طلوع الشمس . 
الإمام : نعم .. ولكن .. 
الأمير عثمان : ( مقاطعاً ) لقد قضي الأمر ( يخرج ) . 
الإمام : حسبنا الله ونعم الوكيل .. حسبنا الله ونعم الوكيل ( يخرج ( .

( 2 ) 
)داخل منزل محمد بن سويلم العريني في بلدة الدرعية ، يظهر ابن سويلم قلقاً جالساً بين يدي الشيخ )

ابن سويلم : أهلاً .. ومرحباً بك أيها الشيخ . 
الإمام : أحسن الله إليك يا ابن سويلم . 
ابن سويلم : أهلاً .. أهلاً بك في دارنا يا إمام . 
الإمام : أكرمك الله الذي أكرمتنا من أجله .. ولكنك تبدو قلقاً يا ابن سويلم . 
ابن سويلم : أبداً .. أبداً إنما خوفاً من عدم القيام بواجبك علينا . 
الإمام : أم تخشى من نقمة ابن سعود .. إذ استقبلتني دون علمه ؟!
ابن سويلم : بل والله أخشى عليك أنت أيها الإمام . 
الإمام : لا تخشَ شيئاً إن الله معنا . 
ابن سويلم : يقال إن زوجته امرأة صالحة وسوف تحرضه على قبول دعوتك. 

الإمام : يقضي الله أمراً كان مفعولاً . 
( يدخل ابن غنّام عليهما مسرعاً فزعاً ) 
ابن غنّام : ابن سعود .. ابن سعود قادم إليكم في وفد من رجاله . 
ابن سويلم : لعله جاء مبايعاً . 
ابن غنّام : أو لعله جاء منتقماً .
ابن سويلم : منتقماً !! أرى أن تختبئ أيها الإمام . 
الإمام : إنما ندعو إليه هو الحق فلماذا الاختباء ؟!

( يدخل ابن سعود وسط كوكبة من رجاله وهم شاكوا السلاح (

ابن سعود : ( مشيراً للإمام ) هذا هو ضيفك يا ابن سويلم ؟
ابن سويلم : هو ضيف الدرعية كلها أيها الأمير . 
ابن سعود : ( للإمام ) أأنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب ؟!
الإمام : أنا الفقير إلى الله تعالى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي . 
ابن سعود : وما الذي تدعو إليه يا ابن عبد الوهاب ؟ 
الإمام : إن الذي أدعو إليه هو دين الله وتحقيق كلمة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . 
ابن سعود : سأبايعك على دين الله ورسوله ولكن أخشى .. 
الإمام : ومم يخشى الأمير ؟!
ابن سعود : أخشى إذا أيدناك وأظهرك الله على أعدائه أن تبتغي أرضاً غير أرضنا . 
الإمام : أبايعك على أن الدم بالدم والهدم الهدم ولا أخرج من بلادك . 
ابن سعود : إذاً أبشر .. أبشر يا إمام بالنصرة والمساعدة .
الإمام : وأنت أبشر بالعزة والتمكين والعاقبة الحميدة . 
( يبسط الإمام يده ويبايعه الأمير ورجاله وترتفع الأصوات بالتهليل والتكبير )

إظلام تدريجي – ستارة





محمد بن علي البدوي

الأحد، 4 مارس 2012

خبر عاجل - قصة قصيرة

 

- فلسطين 2001 .

- القدس الشرقية .

في طريقه إلى الموت كانت الأفكار تنداح في ذاكرته، تجوس في داخله، تعبث به.

- الموت قاب قوسين أو أدنى .

قال ذلك وهو يتحسس حزام المتفجرات الذي يتمنطق به، ويعيد تثبيته حول خاصرته بإحكام..الجرافات تلتهم البيوت في نهم، وزخات الرصاص المجنون تنهمر في غزارة، تقتل، تصيب، تحرق الأجساد الغضة، تستقر في بطون الحوامل، تزهق الأجنة القادمة... والعالم صامت !!


الصور القاتمة كانت حاضرة في نفسه وهو يأخذ مكانه في الحافلة، وينتبذ لنفسه ركناً قصياً منها، ويغوص في بحر لا ينضب من الذكريات الموجعة :


- أخي أحرقوه حياً، أبي داسوه تحت أقدامهم القذرة، ابن أختي عذبوه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة... والعالم صامت !!

كانت الحافلة مكتظة بالركاب، الأجساد متلاصقة، والأنفاس متلاحقة، روائح القردة أخذت تزكم أنفاسه حتى كادت تصيبه بالغثاء، لاذ بالصمت وآوى إلى نفسه يمضغ الصبر ويجتر مشاهد المأساة:

- (الدرة) قتلوه بدم بارد، والعالم ينظر بعينين اسمنتيتين، والعرب يبحثون القضية حول موائد الكلام.. رحماك يا رب!

توقفت الحافلة أمام مطعم المدينة، الزحام الشديد يملأ المكان، صراخ السيارات يختلط بأصوات الباعة، أحسّ بنشوة عارمة تسري في جسده، انتفض، وقف دفعة واحدة، افترَّ ثغره عن ابتسامة عريضة، أسرع للخروج من الحافلة وغاب في زحام المدينة.

أدرت مؤشر المذياع، كانت عقارب الساعة تتصافح عند الواحدة ظهراً، خبر عاجل من الأراضي المحتلة: «عملية استشهادية جديدة تودي بالعشرات من اليهود، بينهم منفذ العملية».

المحرم 1424هـ * مارس 2003م

هـــدهـــدات - قصة قصيرة


للتو انتهت الكشف على الحالة ، ناولتها ( روشتة ) الدواء ثم شيعت مريضتها بابتسامة صفراء لا حياة فيها ، حررت قدميها ويديها قليلاً وألقت برأسها على مؤخرة الكرسي وأخذت تستنشق هواء الغرفة المشبع برائحة الأدوية .
- ياه .. الغرفة تحتضر اليوم .
دارت بالكرسي حول نفسها ، لمحت صورة طفل صغير مثبتة أمامها على جدار الغرفة .
استوقفتها الصورة ، أطلقت حماليق عينيها وبدت تلتلهمها في نهم ، دمعة مكظومة جثمت على أهدابها .
طرق خفيف على الباب ، فتاة تستأذن بالدخول ، اعتدت جالسة ثم أذنت لها .
- أرجوك يا دكتورة هل لي أتحدث قليلاً ؟
هزت رأسها بالموافقة .
- أنا فتاة في العشرين ربيعاً أبدو كالزهرة أليس كذلك ؟!
ابتسمت في تصنع مكشوف .
- لكنني ذابلة ، بالرغم من أنني أعيش وسط حديقة غناء ، أمي ، وأبي يكلآنني برعايتهما ، زوجي يتعذب من أجلي .
- مريضتنا مم تشكو ؟
- من طفلي ..
لسعتها الإجابة ، أفقدتها توازنها ، لم تكن تنتظره حبات العرق أخذت تحتشد على جبهته ، تحسست منديلها واستعادت هدوءها ثم بادرت قائلة :
- المعذرة يا سيدتي .. لم أفهم ؟
- ومن سيفهم إذن ؟ .. سنوات وأنا أنتظره على قارة حلم ، أشاهده أمسك به أطبع على جبهته المتوردة قبلة حارة إلثمه قبلات ، أهدهده لينام ..
- لكن ..
- لكنه حلم .. نعم إنه حلم ..
- سيدتي ..
- بل أنت سيدتي ، أنت منقذتي ..
إني أتشبث بك ، أقبل يديك ، سأدفع لك ما تريدين ، أرجوك جعلي من حلمي حقيقة ..
- لكنني لا أخلق الأطفال .. ربي الذي يفعل ذلك .. فقط توجهي له بالدعاء .
- عزيزتي .. أرجوك كيف يمكن لي أن أعيش بدون طفل .. بدون ماما ؟
- بل أنا الذي أرجوك أن تصمتي لقد نكأتي جرحي وأدميت مشاعري ..
- أنا مثلك يا عزيزتي لا أنجب الأطفال ..

وللحياة أبواب أخرى - قصة قصيرة



- إلى أبناء بلدي الذين أوصدت الحياة أبوابها في وجوههم .. مهلاً .. لا تراعوا فثم للحياة أبواب أخرى .
في الطريق إلى المدينة ، كنت سارح البال ، شارد الذهن ، الأفكار تنداح في مخيلتي وبقايا من أحلام اليقظة تتصارع في ذاكرتي ، كنت أعانق بناظريّ المشاهد الجميلة على جانبي الطريق ولكن سرعة السيارة ما كانت تسعفني حتى أحدق ملياً في هذه المشاهد الرائعة .
أحياناً كانت تتوقف السيارة لتحمل المزيد من الركاب ، أو يترجل بعضهم عن ظهرها ، كانت الزيادة المفرطة في عدد الركاب ، والأجساد المتلاصقة والأنفاس المتتابعة من بعضهم تبعث في السيارة رائحة كريهة فكنت أخرج رأسي من نافذة السيارة معلناً احتجاجي عل هذا الوضع ، ولكن السائق كان ذكياً إلى درجة أنه فهم مرادي فبادرني بقوله :
- أرجو أن تتحمل من أجلي ، فزيادة الركاب تعني زيادة الأجر ، وهذا مهم لشاب مثلي .
كانت دهشتي منه ، هي الدافع إلى تطفلي عليه ومجاراته في الحديث فقلت له :
- حدثني عن نفسك يا أخي ؟
نظر إليّ بصمت ثم كشف عن ابتسامة خفيفة ، وهز راٍه ولكنه استدرك :
- فيما بعد ، فأنت آخر راكب سأوصله إلى المدينة والطريق طويل .
كان شاباً نحيل الجسم ، قمحي البشرة نظارته أحدثت له علامة فارقة حول عينيه ، أنفه الطويل يكاد يلامي شاربه الكث الممتد على طول فمه الصغير جداً ، وجهه الدائري يذكرني دائماً بأحد نجوم السينما القدامى .
توقفت السيارة أخيراً ليترجل عن ظهرها آخر راكب عند تقاطع ( 2 ) نظر إليّ مرة أخرى .
كانت ملامح وجهه قد تغيرت ، خيوط من الغضب بدأت ترتسم على وجهه وتباشير الحزن قد بدأت واضحة في ملامحه ، عندها قلت بلهفة :
- قلي بربك ما وراء هذا الوجه العابس ؟
- وراءه قصة طويلة .
- إني في شوق إلى سماعها .
أمسك بمقودة السيارة وزفر زفرة قوية ، وكأنه يطلقها من فوهة بركان على وشك الثوران ، ثم قال بعد أن أخذ مساره الصحيح في الطريق إلى المدينة :
" .. قبل سنتين كنت طالباً في الجامعة ، في المستوى الرابع ، في قسم الإعلام ، لقد كنت طالباً متفوقاً ، الأحلام السعيدة تتراقص أمام مخيلتي ، والمستقبل المشرق ينتظرني ، كان حلمي بأن أصبح مذيعاً يشار إليه بالبنان هو الحلم الذي أسعى إليه / البرامج الكثيرة ، والمقترحات والأفكار التي كانت تنداح في ذاكرتي كما ينداح حجر الرحى ، وتخرجت من القسم وبتقدير ( ممتاز ) فكان بيني وبين حلمي خطوات ويصبح ( عبد الله العلي ) أشهر مذيع محلي وربما علماي من يدري ؟ .. وتوقف صديقي عن متابعة الكلام كانت دورية المرور تقوم بعملها وسط الشارع ، كانت الرخصة قديمة قد انتهت صلاحيتها ولم يجددها صديقي بعد ، ولم تشفع توسلات صديقي في أن يشمله رجل المرور الذي سخر منه صاحب سيارة أجرة ولا يملك قيمة تجديد رخصة .
- صدقني لا أملك ذلك ، لا أملك شيئاً أبداً .
- خذ هذه القسيمة ، فربما تعلم درساً لن تنساه أبداً .
وبعد ذلك واصلنا سيرنا إلى المدينة ، كان صديقي يتمتم بآيات الغضب على رجال المرور .
- إنهم لا يفهمون شيئاً ، نعم صاحب سيارة أجرة ولا يملك شيئاً أقسم أني لا أمك قوت يومي أحياناً
لفني شيء من الخجل أن أقول له أكمل ما بدأته ، إلا أنه كان ذكياً كما توقعت فواصل حديثه :
- حسناً يا صديقي .. وتخرجت من الجامعة إلا أن عميد الكلية رفض أن يعطيني ( وثيقة التخرج ) وعندما زرته في مكتبه أظهر لي حفاوة رائعة إلا أنه سرعان ما كشف لي عن مراده :
- الحقيقة أنني أطمع في موافقتك على الإعادة في القسم .
فرفضت ذلك بشدة ، متعللاً بالحلم الذي أسعى إليه منذ زمن ، برغم محاولاته ، إلا أنني رفضت كل محاولاته ، فقال لي عندها :
- ستندم حيث لا ينفع الندم .
في الطريق إلى التلفاز كانت أحلامي تعاود الرقم أمامي ، والشهرة تفتح ذراعيها لتتأبطني ، وقابلت مدير التلفاز ، كانت دهشتي من ذلك البرود الذي قابلني به ، إنه لم يكلف نفسه بالنظر إلى تقديري ، واعتذر عن قبولي متعللاً بأعداد الشباب التي تريد العمل في الإعلام ، لم أطل الصمت طويلاً بل واجهته :
- ألم تصرح بأنكم في حاجة إلى دماء جديدة ؟
- فلماذا تريدوننا إذن ؟
نظر إليّ بحزن وأشار إليّ بالخروج ، أظلمت الدنيا في وجهي وأنا اغادر مكتب المدير إلا أن بصيص أمل بدا وأنا أشاهد الأستاذ / قاسم القاسم صاحب البرنامج الشهير ( هموم محلية ) إن كلماته ما زال صداها يتردد في ذاكرتي وهو يقول في نهاية كل حلقة من حلقات برنامجه الشهير :
- لقد جندت نفسي لهموم الناس ومشاكلهم ، فقد اتصلوا بي أو تفضلوا بزيارتي .
استوقفته في أحد ممرات التلفاز ، رمقني بنظرة ملأها الإحتقار .. فقلت له :
- أنا من الناس الذين جندت نفسك لهمومهم ومشكلتي ..
تركني لذهولي ودهشتي ، إلا أنني سمعته يتمتم من بعيد : مساكين يصدقون كل ما يذاع .
خرجت من مبنى التلفاز ، وأنا شبه محطم ، في البيت كان أبي يطالبني بالعمل ، ألسنة الناس لم ترحمني ، الجميع يخوض في سيرتي وما ألت إليه كنت أبحث عن أي عمل إعلامي ، فل التلفاز في الإذاعة ، في الصحافة بل لقد وصل ولعي بالإعلام أن أعمل مراسلاً في جهات الحرب ومواطن المجاعة ، إلا أن شمس أحلامي قد غربت ، وأصبحت الشهادة كالعار الذي يلاحقني ، فكرت بالعودة إلى الجامعة والإعادة فيها ولكن سيلاً من السخرية قابلني به عميد الكلية ، وكدت أصاب بصدمة نفسية ، لولا وقوف بعض الأصدقاء وشرائهم لي سيارة ، بعد أن سلمت أوراقي ديوان الخدمة في انتظار الوظيفة .. " .
من بعيد كانت المدينة وكأنها مدينة سحرية تخرج من قاع الأرض ، نظرت إلى صديقي وهو يعيد نظارته القديمة إلى عينيه وقد أسبل بعض دموعه الحارة ، وصلنا المدينة ودفعت له أجرته ثم وقفت أشيعه بنظراتي وهو في طريق العودة ، ثم عدت إلى منزلي يلفني ضجيج المدينة وزحامها الشديد .