الثلاثاء، 21 فبراير 2012

الشاطئ يشكر أحمد - قصة قصيرة للأطفال


وقف أحمد على شاطئ المدينة ، شاهد الشمس وهي تجمع خيوطها في حزن ، ثم تنغمس كبرتقالة ضخمة في البحر ، رائحة الشاطئ لم تعجب أحمد ، النفايات تملأ           المكان ، والعمران يخنق الشاطئ . عاد أحمد إلى منزله وهو يفكر طويلاً في حال الشاطئ المسكين .
في اليوم التالي كانت الشمس تختبئ خلف الغيوم الداكنة خجلاً من منظر الشاطئ الذي أصبح متسخاً جداً ، الطيور الجميلة لم تعد تأتي إلى الشاطئ حتى الأسماك الصغيرة هجرت بيوتها وذهبت تبحث عن شاطئ آخر . مسكين هذا الشاطئ ! ماذا سنفعل له الآن ؟ قالها أحمد في نفسه وهو في طريقه إلى المدرسة وفي المدرسة قام أحمد أمام زملائه وحدثهم عن قصة الشاطئ الحزين ، وطلب منهم المساعدة في تنظيف الشاطئ ، رحب الأصدقاء بالفكرة وانطلقوا في حصة النشاط يوزعون على زملائهم ورقة صغيرة مكتوب عليها (( أنقذوا شاطئ المدينة )) .
في اليوم التالي تجمع عدد كبير من الأصدقاء حول أحمد وانطلقوا يؤمّون الشاطئ تعاونوا جميعاً في إخراج النفايات من بطن الشاطئ ، كانت النفايات كثيرة             ومزعجة ، وزرعوا بعد ذلك الأشجار الصغيرة ، وأقاموا المظلات حول           الشاطئ ، وكتبوا اللوحات الجميلة التي تدعوا الناس إلى العناية بالشاطئ .
عاد الأطفال إلى المدرسة في سعادة ، بينما وقف أحمد يتأمل منظر الشاطئ وقد أصبح جميلاً جداً الشمس مشرقة باسمة ،و طيور النورس عادت تحتفل بهذه المناسبة السعيدة حتى الأسماك عادت تقفز في سعادة ، وأمواج الشاطئ التي أخذت ترتفع عالياً وكأنها يد إنسان تحيّ أحمد وتشكره على عمله الرائع العظيم .


بقلم / محمد علي البدوي    


عندما ترحل الطيور - قصة قصيرة للأطفال


كان يوماً عبوساً عندما أجتمع أهل القرية للتباحث في أمر هام :
- لقد أفسدت علينا مزروعاتنا !
- لقد أتلفت المحاصيل هذا العام !
- أنتقموا منها ، طاردوها في كل مكان !
إمتلئت مشاعر الناس بالغضب واحتدمت بالإنتقام من الطيور ولم يكن يسمعني أحد وأنا أنصحهم لترك الطيور وأبين لهم فوائدها بالنسبة لنا ولكن لا حياة لمن تنادي ..
وكانت الشمس تتضيف للغروب عندما عاد الجميع إلى بيوتهم وقد أجمعوا أمرهم على الإنتقام ، وفي البيت كانت الأفكار تتصارع في داخلي لم أنم تلك الليلة كنت سارح البال أفكر في أمر هذه الطيور المسكينة .. أنا أحب الطيور جداً فهي مخلوقات جميلة ولطيفة تعشق الحرية وتملأ العالم أصواتاً عذبة وجميلة وما ذنبها إذا أهمل الناس مزروعاتهم وتركوها مكشوفة لهم ؟
بدأ القلق يتسرب إلى نفسي وشعرت بالخوف وأنا أسمع تلك الأصوات المزعجة ولعلعات الرصاص المجنونة تملأ السماء وتشق صمت الليل ..
- يا ويلي هل بدأت الحرب على الطيور ؟!
قلت ذلك في نفسي وأنا آخذ طريقي إلى الحقول القريبة حيث مصدر الصوت وعندما وصلت إلى هناك كان المشهد مروعاً حقاً !! .. العشرات من الطيور قتلى والبعض الآخر في قبضة المزارعين الأشرار وبعضها رحل طلباً للنجاة ..
بعد أسبوع من تلك الحادثة ومع خيوط الفجر الأولى ونسمات الصباح المشرق كان الرجال في طريقهم إلى حقولهم ومزارعهم وهناك كانت المفاجآة تنتظرهم :
لقد فسدت الحقول وانتشرت اليرقات الصغيرة التي أخذت تفتك بالحشائش والمزروعات وتسد منافذ التهوية للأرض الكثير من الحشرات الضارة كانت تعبث بالحقل .. لقد أعماهم الإنتقام وعرفوا أخيراً أن الطيور كانت تساعدهم .. ولكن بعد فوات الأوان !!


بقلم / محمد علي البدوي


  

أقوى من الصمت - قصة قصيرة


" إلى فرسان الإرادة في زمن الإعاقة مع التحية "
    في غرفته الصغيرة المظلمة على سطح الدار ، كأن أنينه المتقطع يخترق حاجز الصمت ، الظلام الحالك الذي يخنق الغرفة لم يفتح شهيته للنوم ، تقدم بخطوات مثقلة إلى نافذته المهترئة ، فتحها فتدافع الهواء إلى داخل الغرفة .. في داخله كان يعتلج شعور قوي ورغبة عارمة في الكلام ، لكن رغبته تلك كانت تتلاشى عندما تصطدم بصخرة الحقيقة .
-   أن أخرس " حسن الأخرس " لن أنطق ! ، لن أنطق أبداً .. هكذا كان يقول في نفسه ، جيوش من الحسرة تعسكر في داخله ، وألم الحقيقة يعتصر فؤاده ، لكن الرضا بالقضاء كان ينزل كالبرد على قلبه المثقل بالهموم وبخطواته المثقلة عاد ليلقي بجسده المنهك على سرير قديمة صدِئة ، وقد استجاب لنوم عميق ..
   أشعة الشمس تنفذ من خلال شقوق الغرفة المتهالكة ، والصمت يطبق على المكان ، كل شيء صامت وكأنهن قُدَّ من صخر ، كل شيء يحتضر في هذه الغرفة الملعونة ، بينما صور الماضي لم تزل تنداح في ذاكرته بعد أن أفاق من نومه وشخصت عيناه إلى سقف الغرفة ، كان الماضي الجميل يعاود الرقص أمام عينيه ، عشّه الصغير في أطراف المدينة ، أبوه يلفه في حنان ، سحب السعادة وهي تلقى بظلالها على الأسرة ، لكن الحال لم يدم ، والموت يخترم الأب في صمت ، عندها توقفت الكلمات على لسان الصغير ، بينما لم تزل المشاعر حيّة نابضة عبر شرايين الحياة .
    الدموع تملأ محاجر العين حارة حارقة ، والغرفة لم تزل صامتة ، بينما عبث الفئران يطول السرير الصدئة والصغير لا يأبه بذلك ، فصور الماضي لا زالت تنداح في ذاكرته كما ينداح حجر الرحى ... صعبة ! قاسية !! تلك هي الحياة ! .. أمه المسكينة حين قبلت بالزواج من رجل غليظ ، منظر أمه وهي ترزح تحت سياط الجلاد ، وهي تأتيه ببقايا طعام المتسلّط !! تحتضنه ، تضمه في حنان ، تغسله بدموعها الحارة ، المشهد المؤثر لم يزل عالقاً في الذاكرة ..
     هو لا يعلم ما سر هذه الابتسامة التي رُسمت على شفتيه عندما شاهد حجراً لأول مرة على شاطئ المدينة ، ربما لأن صورة الحجر ذكّرته بصورة لن ينساها ، أمخسك بالحجر ، أخذ يقرأ فيه معالم ماضي جميل ، اتسعت ابتسامته ، ثم أخذ مطرقة كان يحملها وبدأ ينحت على الحجر صورة عمه المتسلط ، نظر إليه باشمئزاز ، رماه في الشاطئ بقوة ثم تنهّد بارتياح / كانت عيناه تعانق صخور الشاطئ المترامية هنا وهناك كالموتى ، ضحك .. قهقه عالياً ثم غاب في زحام المدينة ، بينما كان صوت ارتطام أمواج الشاطئ بالصخور يعزف مقطوعة وداعية حزينة !! .
   لم يعد " حسن الأخرس " يطيق الجلوس في غرفته ، فقد اعتاد الجلوس على شاطئ المدينة وسط أحجاره الصماء ، حيث يمارس هوايته الجديدة كان ينحت على الأحجار صوراً عديدة ، صورة أمه وأباه ، وعمّه المتسلط ، شعور بالحب تجاه هذه الصخور بدأ يدب في نفسه ، وينمو في داخله ، ربما لأنها صماء لا تقوى على الكلام مثله ، صدى طرقه يتردد في جنبات المكان وكأنها أنغام جميلة تبعث في نفسه السعادة ، بينما ظلت عيون مدير المتحف القومي تلحظه من بعيد ..
    وتمضي الشهور وتتعاقب السنين ، ونجم " الأخرس " يسطع في سماء المدينة ، وتتحدث صحف اليوم عن معرض " فن النحت " " للفنان الكبير " " حسن الأخرس " .. !!

محمد علي البدوي

أحبك يا رحاب !!! - قصة قصيرة


          تقدم إلى الباب بخطوات هادئة وهو يعرك سواكاً اشتراه للتو ، أمام الباب وقف ذاهلاً عمن حوله ، أطلق حماليق عينيه في المكان ، شدّه جلال المنظر وروعة الجنبات الآمنة ، أمواج متلاطمة ، أجساد متلاصقة ، أصوات متداخله ، دموع ، خضوع ، تبتل ، انكسار ، آياد متوضئة ترتفع عالياً تطلب في إلحاح جحافل النور أخذت تتدفق إلى داخله في صمت ، سرت في جسده رعشة لم يستطع السيطرة عليها فسقط السواك من يده ، حاول أن يجمع شتات نفسه خرّ ساجداً يلثم العتبات الطاهرة وقد امتلئت محاجره بالدموع وغاب في عالم ملائكي رائع ...
مكة .. وقد اغتسلت بلهيب شمسها الحارقة وأمام الكعبة المشرفة اجتمع نفر من قريش تعلو وجوههم الكآبة وترتسم على قسماتهم أمارات الذهول والحيرة فقد سرت اليوم أنباء جديدة تفيد أن محمداً كسب أنصاراً لهذا الدين وأنه يجتمع بهم خفيةً في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، .. وقف أبو جهل وقد تطاير الشرر من عينية وصاح محتداً :
- واللات والعزى ... لنوقفن زحف هذا الدين ... ولنعذبن محمداً وأصحابه .
 عاد يجول ببصره في الأرجاء العامرة ويحتسي هواء الحرم المشبع بالروائح الإيمانية العطرة رفع رأسه إلى السماء ، حدّق بعينيه طويلاً ، شاهد المآذن وهي تنتصب في شموخ وصوت المؤذن ينساب مجلجلاً يخاطب الوجود : الله اكبر ... الله اكبر .. على رأس الكعبه السوداء في ذلك الزمن الجميل كان بلال بن رباح يؤذن للنصر العظيم ومكة تبتهج بقدوم مواكب الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخب في جلبابه المشرق وقد امتلأ نوراً وجمالاً يحطم الأصنام ويتمتم : (( قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )) .
          في المسعى كان المشهد مهيباً أيضاً أمواج من البشر تتماوج في انتظام ، تولاّه إحساس عارم بالفرح ، اجتاحته رغبة ملحه أن يحتضن كل هؤلاء ، تفقد إحرامه ، واستقبل الكعبة ... ثم غاب في الزحام الشديد .

                                                                      بقلم :
                                                                    محمد علي البدوي
 

وللحقيقة وجه واحد - قصة قصيرة

بقلم / محمد علي البدوي

      افترشه المرض ، أقعده ، هدّه ، عضّ عليه بنواجذه القوية ، أنشب فيه أضفاره القاتلة ، موجة من الإصفرار كست ملامح وجهه الذي تغضن تحت وطأة المرض ، هالة سوداء أخذت تزحف على عينيه الغائرتين في صمت موحش ، تهدّل عنقه ، برزت تضاريس جسمه الناحل ، حتى خصلات شعره الموغلة في البياض نفرت منه بفعل الكيماوي ..
-       للأسف .. لم يعد لك أمل في النجاة !!!!
-       أبداً .. أبداً .. يا دكتور ؟! قالها بصوت متحشرج ذليل مشوب بالحزن .
-       الأمل في الله وحده .. فهو القادر على كل شيء .
( الله ) ... ولسعته الكلمة .. أفاق من سكرته للتو .. ( الله ) أخذ يرددها في نشوة صوفية عارمة .. الآن .. بدت له الشمس ناصعة في كبد السماء .. انتفض بشده ، سرت في جسده رعشه لم يستطع السيطرة عليها ... أخذ يهذي :
-       ماذا سأقول له ؟ .. وبأي جواب سأجيبه الآن ؟
تصبب عرقه كثيراً وهو يسترجع تلك الليالي السوداء والدعوا ت  الشيطانية التي كان يروجها في قصصه ورواياته ، تلك الحداثه المزعومه وكيف تولى كبرها وحارب في سبيلها .. ماذا بقي منها الآن ؟ وماذا ستفيده اليوم ؟ .. المال .. الشهره .. الأضواء .. كل ذلك سيذهب .. وسيرحل إلى عالم الآخره .. وحيداً من كل شيء إلا من عمله .. إلا من صفحاته السوداء الموحلة .. قطب مفكراً .. زمّ شفتيه في حسرة وعاد يهذي :       
- الموت  .. القبر .. الجنه .. النار .. مفردات قادمة لا تقبل الإختزال .
قام يمشي مترنحاً بخطوات متثاقلة ،إتخذ لنفسه مكاناً قصياً وأخذ يتكور  على نفسه في أسى .. وينتحب كثيراً  .. كثيراً جداً .. في صباح اليوم التالي غرفة الإنعاش تعج بحركه غريبة وحزن موجع يلف الجميع لقد توفي الأديب الكبير بعد صراع طويل مع المرض بينما ضلت ورقه صغيرة مهملة تحت غطاءه لم يعرها أحد إهتمامه كان قد خطها البارحة بيديه وفيها : توبة  واعتذار إلى مقام الجبار .                    

عودة المطر - قصة قصيرة


       جلس الشيخ وحيداً على تلة قريبة مشرفة على القرية ، أخذ يراقب المشهد باهتمام بالغ ، كانت الشمس تتضيف للغروب والشفق الأحمر يسد واجهة الكون ، عندما بدأ الطريق يموج بأعداد غفيرة من الشباب وطلاب العلم يؤمون الجامع الكبير في خشوع ..
    ندت دمعة ساخنة من عيني الشيخ ، مسحها بيديه ،ثم عاد يرمق الجموع التي انثالت على المسجد وأخذ يرفع بصره إلى السماء ويتمتم :
-        الحمدلله .. الحمد لله .
    السماء ملبدة بالغيوم والظلام الموحش يلتهم القرية في صمت موجع وأرتال السيارات تحاصر القرية كاليعاسيب الكريهة عشرات الجنود يدلفون إلى البيوت     بلا استئذان ، وينتزعون الرجال والشباب وسط صراخ النساء وعويل الأطفال الذي أخذ يقطّع سكون الليل الرهيب ..
في المخفر بدت له الحقيقة واضحة كرائعة النهار فالنظام بات  يخشى من هذه التجمعات التي انتشرت وأخذت في الظهور . قال له الضابط وهو يداعب شاربه الكث المقزز :
 يا  أو غاد !! .. تعلمون الشباب الخلطة والعزلة .. وتدربونهم على إمامة الناس!    الظلام الحالك يخنق  المكان والعتمة الشديدة لم تفتح شهيتة للنوم بعد ، كان إلى جانبه الشيخ حسان – إمام المسجد – بابتسامته الصافية المشرقة التي لم تبددها بقع الدم الحمراء وعلامات التعذيب التي أخذت تغطي وجهه . 
-  لقد أوقفوا كل شيء .. كل شيء ..
- لا تحزن يا بني إن الله معنا .. وكفى ..
- لقد أغلقوا المساجد .. ومنعوا المحاضرات .. وسجنوا العلماء والدعاة ..
- المساكين !! إنهم يحاربون الله .
- انتهى كل شيء .. كل شيء أيها الشيخ ..
ربت الشيخ على كتفه في حنان بالغ وافتر ثغره عن ابتسامة مشرقة ، تحامل على نفسه ووقف منتصباً ثم قال في عزم واثق وعينه ترنو إلى الأفق البعيد القادم :
- هذا الدين يا بني ينام .. لكنه لا يموت .. وستشرق شمسه من جديد .. وسيعود أقوى مما كان ..... 
كان أذان المغرب قد انطلق جلياً ندياً ، وعم الكون خشوع عجيب والشيخ وسط هذه الجموع المؤمنة ينتظر إقامة الصلاة .... 


* بقلم / محمد علي البدوي        

حكاية الشيطان الأسود - قصة قصيرة


- نحن في انتظارك غداً صباحاً .. لنقف على الحقيقة كاملة ؟
هكذا قال له الضابط وهو يودعه ويأخذ طريقه إلى المخفر مصحوباً بأرتال السيارات التي تبعته كاليعاسيب، بينما ظل جامداً في مكانه لا يتزحزح يشيع الجميع بنظرات اغرورقت بالدموع.
في المخفر كان ذاهلاً عمن حوله، أحداث تلك الليلة الرهيبة، ما تزال تضطرم في داخله، تجوس في نفسه ، قبع على كرسيه في صمت ، ثم تكور على نفسه في أسى، وأخذ يرهف سمعه لما سينبس به الضابط :
-        والآن... ما هي أقوالك ؟ .. كيف وقعت الحادثة ؟
لم يحرْ جوابا ً أكفهر وجهه وعلته غلالة من الضيق ، أطرق قليلاً إلى الأرض، ثم صعّد في النظر الضابط ، وعاد يرنو إلى الأفق البعيد ، يبحث عن شيء ما وسط ركام الأحداث المزدحمة ، وزخم الصور المتتابعة.. ها هو فلذة كبده ، وثمرة فؤاده ، يلج عليه وهو ينضج بالبشر وقد تأبط شهادة النجاح :
- ممتاز.. ممتاز.. يا أبي ؟
قام إليه مسرعاً، واحتواه بذراعيه في حنان، وقبله في حرارة.. لحظات ودخلت هي الأخرى ضاحكة مستبشرة:
-        وأنا يا أبي ممتازة.. أيضاً.
كانت المفاجأة سارة جداً، عقدت لسانه من الفرحة ، أخذ يرقص، ويتمتم في فرح ظاهر، عاودته حمّى الطفولة الأولى ، انتصب بينهما في سعادة ، وجعل يفكر ملياً في الهدية التي ستخلد المناسبة .
في اليوم التالي اصطحب معه جهازاً بشعاً أسوداً كالليل الحالك ، أشبه ما يكون بقبعة سوداء ، ذات نتوءات صغيرة كالمرض ، .. قدمه لهما في فخر وأخذ يزهو قائلاً:
- والآن .. ما رأيكما في هذه الهدية ؟
لم يخفيا سعادتهما به ، وقاما يلثمان يده في امتنان بالغ .. " .
أعاد الضابط سؤاله في حنق ظاهر :
- أنت .. يا عم .. تحدث ما بالك واجماً هكذا ؟
أنزل غصة علقت بحلقه ، واستوى على كرسيه ، وراح يجمع شتات نفسه الهاربة كانت الدموع قد أخذت طريقها في محاجره وأزينت على وجهه ، مما بعث الشفقة في نفس الضابط الذي غادر الغرفة مسرعاً ، وتركه نهباً لذكرياته الموجعة :
" .. بدأت الليالي الحمراء .. والسهرات المتواصلة .. تعرف الإبن على رفقاء السوء كان الأب يشعر بحجم المأساة ويخشى من القادم المجهول ، فطوارق الليل آتية والأيام حبلى بالمفاجآت .. وحدث ما كان في الحسبان !!
تلك الليلة كان الجو بارداً جداً ، وحفيف الأشجار يبعث على الخوف ، الساعات تزحف بطيئة كئيبة مصحوبة بجيش الظلام القاتم ، قهقهات شيطانية تنبعث من غرفة الإبن ، ورائحة الحشيش تزكم الأنوف ، .. أحداث فيلم السهرة تأخذ الأبصار .. وفجأة !!  
صرخات استغاثة .. ضوضاء .. أشياء تتحطم ؛ كانت الذئاب البشرية تهاجم الفتاة ، تريد الظفر بالضحية ، أسرع الأب إلى ابنته أراد أن يستنقذها منهم ، أن ينتزعها من بين براثنهم .. ذهبت محاولاته سدى .. فهاتف رجال الأمن .. ولكن .. بعد فوات الأوان ... " .
اجتاحته نوبة عارمة من البكاء ، وبدأ يهذي كالمجنون :
- الوحش .. عليكم بالوحش .. إنه هناك على سطح المنزل .. الشيطان ما زال فاغراً فاه .. يستقبل المزيد .. والمزيد .. اقتلوه .. انتزعوا القبعة السوداء من على أسطح منازلكم .. الشيطان الأسود .. الشيطان الأسود ..  إنه هناك ..

                                                               بقلم / محمد علي البدوي
                                                     عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية